مسؤولية الحكام العرب عن تنامي الارهاب

2016/02/05

5.jpg

بيد أن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 أدت إلى حدوث تحول أساسي في الموقف الأمريكي، إذ ألقت بظلال ثقيلة على علاقات واشنطن بالأنظمة العربية، وذلك بعد أن حملت إدارة الرئيس بوش الابن الحكام العرب مسئولية تنامي الإرهاب بسبب سياساتهم السلطوية الإقصائية، واعتبرت أن التغاضي عن استبدادهم خلال سنوات طويلة لم يمنح أمريكا الأمان، بل على العكس من ذلك، عرضها لأكبر اعتداء إرهابي في تاريخها، فالحل، إذاً، لسحب البساط من تحت أقدام تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات الجهادية التي تهدد أمنها القومي.

يكون بفرض الخيار الديمقراطي على نظم الحكم التسلطية في العالم العربي، ما جعل مبادرات الديمقراطية والإصلاح السياسي في الشرق الأوسط تحتل موقع الصدارة في إلاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب, وقد طُرح عدد منها بالفعل ، الأمر الذي كان من الممكن أن يدفع في اتجاه دمقرطة المنطقة، لولا التناقض الذي كان واضحاً بين الأهداف المعلنة وما يتم تنفيذه على أرض الواقع، وقد تجلى ذلك بوضوح في حصاد المشروع “الديمقراطي” الأمريكي في كل من أفغانستان والعراق ، واتضح الأمر أكثر عندما تراجعت واشنطن عن مشاريعها الإصلاحية في المنطقة تحت ضغط مخاوفها التقليدية من احتمال وصول الإسلاميين إلى السلطة ، وهي المخاوف التي عززها فوز حركة حماس (الإرهابية في المنطق الأمريكي) في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت في يناير 2006. وتبقى المفارقة اللافتة في هذا الصدد أن الولايات المتحدة عاقبت الفلسطينيين بشكل جماعي على تصويتهم على “حماس” في انتخابات اعترفت هي نفسها بأنها كانت حرة وشفافة وديمقراطية. إن هذه العوامل الموضوعية ما تزال فاعلة، تعرض نفسها بوضوح في المشهد العربي الجديد، ما يعني أن بناء النظام الديمقراطي الموعود في مجتمعات الثورة (والمجتمعات العربية عموماً) لن يكون مهمة سهلة، وإنما هو رهان صعب دونه صدامات وصدمات ومخاطر، طالما أن الخلفيات / الأساسيات التي يقتضيها هذا البناء ما تزال غائبة بفعل طغيان طويل المدى لم تتعطل بعدُ كل مفاعيله المتوغلة في عمق الحياة العربية على المستويات كافة. لم تكن العلاقات بين مصر والولايات المتحدة في أي وقت مضى علاقات ثنائية سلسة ومباشرة، فكانت دائماً ما يتخللها طرف ثالث، الاتحاد السوفيتي في الخمسينيات والستينيات ثم إسرائيل بعد حرب 1973، وشهدت هذه العلاقات حقبة ازدهار غير مسبوقة منذ الرئيس الراحل أنور السادات الذي أراد تحويل هذه العلاقة إلى علاقة استراتيجية ثابتة وقوية، واستمرت هذه العلاقة مع تخللها لبعض التوتر من الحين للآخر حتى قيام ثورة 25 يناير2011 إلى الحد الذي ذهب البعض بوصفها علاقة تتسم بالتناقض والفصام.

فنحن نتلقى معونة أمريكية، من ناحية، وننظر إلى الولايات المتحدة على أنها عدو لنا، من ناحية أخرى، وفي ظل الظروف التي تمر بها مصر بعد ثورة يناير 2011 تبدو الحاجة قوية نحو إعادة التفكير في علاقات مصر الخارجية وتقييم هذه العلاقات وتصحيح مسارها، وتأتي العلاقات المصرية – الأمريكية في مقدمة هذه العلاقات، وفي هذا الإطار عقد مركز الأمير الوليد بن طلال للدراسات الأمريكية والبحوث التابع لكلية الشئون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بالتعاون مع كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ورشة عمل يوم الثالث والعشرين من يونيو 2013 بقاعة فيردي بفندق الماريوت، حول التحديات والآفاق المستقبلية وتوضيح الأسس التي تقوم عليها العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بعد ثورة 25 يناير2011.

وقد شارك في الورشة العمل نخبة من الدبلوماسيين والباحثين من الجامعات والمراكز البحثية والمهتمين بهذا الشأن، وتناولت ورشة العمل ثلاثة موضوعات أساسية تم تقديمها من خلال أوراق مختصرة، ومستهدفة إثارة الأفكار حول المحاور المختلفة، كمقدمة لحوار مع الجانب الأمريكي والخروج بتصور عن العلاقات بما يحقق مصلحة الطرفين،مرت العلاقات المصرية الأمريكية بمرحلتين منذ قيام ثورة يوليو 1952: الأولى من 1952-1973، حرصت فيها الولايات المتحدة على كسب ثقة النظام الجديد وبسط نفوذها في المنطة خاصة مع تراجع نفوذ بريطاني طال بقاؤه. وفي إطار “الخطة الرابعة” في عهد الرئيس ترومان، زار وفد من خبراء أمريكين مصر في 1952.

لكن مع تتابع الأحداث (سحب الولايات المتحدة وبريطانيا تمويل مشروع السد العالي- العدوان الثلاثي على مصر- اتجاه مصر للكتلة الشرقية وصفقة الأسلحة التشيكية)، توترت العلاقة بين مصر والولايات المتحدة حتى وصل التوتر ذروته بقرار مجلس الشيوخ الأمريكي– يونيو1965-عدم بيع فائض الحاصلات الزراعية إلى مصر ومنع التعاون معها، ثم قطعت مصر العلاقات مع الولايات المتحدة في 6 يونيو1967المتأمل في حصاد برنامج المساعدات الأمريكية لمصر لا يتردد في التسليم بأنه أقرب إلى (اتفاق تعاون) من كونه “مساعدات”؛ فما حصدته الولايات المتحدة من مكاسب اقتصادية وأمنية واستراتيجية– وهي الأهم- يفوق بكثير أي استفادة اقتصادية جزئية وظرفية نالتها مصر في المقابل.

لم تستهدف المعونة الاقتصادية معالجة جذور الفقر والأمية، أو إحداث تنمية حقيقية؛ بل استهدفت القضاء على القطاع العام، وألزمت الاقتصاد المصري بمعايير الاقتصاد الحر، دون وجود بنية اقتصادية وطنية قادرة على المنافسة أو ملتزمة بأولويات التنمية في مصر، في ظل غياب الإرادة السياسية، وهيمنة الفساد والاحتكار في العقد الأخير بشكل خاص.

عسكرياً، ضمنت مصر إمداداً منتظماً من السلاح الأمريكي، دون إخلال بميزان القوى المرتبط بأمن الولايات المتحدة وإسرائيل، مع تبني مصر الرؤى الأمريكية لقضايا المنطقة، بالإضافة لتسهيلات لوجستية تتعلق باستخدم الولايات المتحدة الأجواء المصرية وقناة السويس. لم تكن الولايات المتحدة إذن صاحبة (اليد العُليا) التي تُعطِي، ولم تكن مصر صاحبة (اليد السفلى) التي تأخذ! مع ذلك استُخدمت (المعونة) كأداة ضغط على نظام الرئيس المخلوع، في الوقت الذي وظف هو مصالح الولايات المتحدة لضمان الدعم الخارجي لنظامه.
يواجه المصريون تحديات كبيرة وآمال مشروعة، تتعلق بحقهم في استقلال إرادتهم السياسية والاقتصادية، وتحرير قرارهم الوطني من أية ضغوط أو توازنات تنتقص من دور مصر الإقليمي، وثقلها السياسي والحضاري الذي طال انتظاره. ان سياسة الفوضى تقود الى حالة هشّة من الإستقرار تشكّل ظاهرة متجدّدة لبيئة دولية معقدة ودينامية وهي دائمة التغيير بحيث أنّه لا يمكن تصوّر إمكانية الوصول إلى نظام دولي مانع أو ضابط للفوضى . لذا تقف بعض القوى الدولية امام التدخل الامريكي في دول العالم وسياسة تغيير الانظمة، وستعجل هذه السياسة من خلق نظام دولي جديد متعدد الأقطاب (بالمعنى الواسع للكلمة ).

ان ارتكاز الولايات المتحدة على سياسة الفوضى الخلاقة ، انهى امال البعض بان العالم سيشهد في مرحلة مابعد الحرب الباردة تقليل الصراعات والحروب وان النظام الدولي سيتخلص من كل تداعيات المنافسة التي شهدتها الحرب الباردة ، اذ واجه المجتمع الدولي سلسلة من الأزمات المتلاحقة. فقد شهد النظام الدولي الجديد (كما اسماه جورج بوش الاب ) خلال خمس سنوات تفجّر أزمات كبرى في الصومال، وهايتي، والبوسنة، وأفريقيا الوسطى والشيشان، بالإضافة الى التدخلات المريكية التي تبعت ذلك من احتلال افغانستان والعراق أن الولايات المتحدة فوتت فرصة ثمينة بعد أحداث 11 سبتمبر لكسب العالم إلى جانبها؛ حيث عرفت الولايات المتحدة بعد هذا اليوم تضامنًا عالميًا لم يسبق لها أن شهدت مثيلاً له، لجهة الاستعداد لتقبل قيادتها في مواجهة الإرهاب في العالم
ولكنها آثرت التحرك بشكل انفرادي لتأكيد تفوقها وهيمنتها بشكل كان له آثاره السلبية الخطيرة على الولايات المتحدة نفسها، والتي أصبح يُنظر إليها في كثير من مناطق العالم، بوصفها دولة إرهابية من الطراز الأول. فقد سعت الإدارة الأمريكية من خلال استغلال هذه الأحداث إلى تكريس مبدأ التدخل في الشؤون الداخلية للدول والاعتداء على سيادتها الوطنية، الأمر الذي جعل العالم أقل أمنًا واستقرارًا. وخلص الكتاب إلى القول بأن الحرب الأمريكية على الإرهاب لم تحقق نجاحًا، وقد لا تحققه دون مراجعة السياسة الأمريكية الراهنة التي تعتمد على القوة وحدها، مؤكدًا أن اتّباع استراتيجية الدبلوماسية الوقائية وليس الضربات الوقائية هو الطريق الأكثر نجاعة في التعامل مع مشكلات العالم، وفي مقدمتها مشكلة الإرهاب الدولي.

أن جوهر السياسة الخارجية الأمريكية هو تحقيق المصلحة القومية العليا للبلاد، وأن التوسع الأمريكي الإمبراطوري ليس وليد أحداث 11 سبتمبر، وإنما هو مرافق لمسيرة أمريكا تاريخيًا؛ فالقوة مكون أساس من مكونات النموذج الأمريكي، لكن هذا التوجه اكتسب أبعادًا أكثر خطورة منذ وقوع هذه الأحداث، التي مثلت فرصة ذهبية لتطبيق أفكار المحافظين الجدد الداعية إلى استخدام كل عناصر القوة المتاحة لفرض الهيمنة الأمريكية على العالم، وهو الأمر الذي عبر عنه دونالد رامسفيلد بوضوح قائلاً:

إن الحادي عشر من سبتمبر أحدث ذلك النوع من الفرص التي وفرتها الحرب العالمية الثانية من أجل إعادة صياغة العالم، كما ساهمت تلك الأحداث في إضفاء نوع من المشروعية على عملية الاستفراد بالسياسة العالمية من قبل الولايات المتحدة، وتكريس نظام القطبية الأحادية الذي ولد فعليًا بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، لكنه بقي -بسبب افتقاره للشرعية- غير قادر على الإفصاح الحر عن نفسه حتى تاريخ الحادي عشر من سبتمبر.

د. عادل عامر

المصدر: بانوراما الشرق الاوسط

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: