أوهـام أوبامـا تتكسـر فـي سوريـة

3.jpg

ما أن وصلت إلى جنيف أنباء عن فك الحصار عن نبل والزهراء، ونجاح الجيش العربي السوري وحلفائه في تطويق حلب من 3 جهات، وقطع طرق الإمدادات عن الإرهابيين من تركيا بفضل الدعم الجوي الروسي، حتى قررت معارضة الرياض الإنسحاب من المحادثات قبل أن تبدأ.

دي ميستورا المغلوب على أمره بسبب الضغوطات القوية التي مورست عليه من قبل الرياض وفرنسا وبريطانيا، أعلن تعليق المحادثات وتأجيلها إلى غاية 25 من الجاري بهدف إجراء تغييرات جذرية على شكل وأجندة الإجتماعات بالتنسيق مع القوى العظمى الراعية لجنيف 3، مصرا على أن المحادثات لم تفشل بل جمدت فقط.

السيد بشار الجعفري الذي قدم إلى جنيف بوفد قوي ممثلا للحكومة السورية كان أكثر ثقة بنفسه وبأوراقه وعدالة قضية بلاده التي يدافع عنها، وبدبلوماسيته المعهودة، قال، أنه لا يجب تحميل السيد دي ميستورا مسؤولية ما حدث، لأن المعارضة هي من قررت الإنسحاب بعد أن تلقت تعليمات من مشغليها بالرياض وأنقرة وقطر.

وقد كان واضحا أن ما حدث في جنيف من انتكاسة إن صح التعبير، مرده أن الأمم المتحدة فشلت في ثلاث أمور تعتبر من المسلمات الأساسية لإنجاح المحادثات: الأول، إعداد قائمة بالتنظيمات الإرهابية لاستبعادها عن طاولة الحوار.. الثاني، إعداد قائمة بوفود المعارضة الممثلة لاجتماعات الرياض وموسكو والقاهرة كما نص على ذلك قرار مجلس الأمن 2254 بدل التفاوض مع أشباح لا يمثلون الشعب السوري الذي تتباكى عليه الأمم المتحدة، والذي من شروط نجاحة (أي القرار 2254) تطبيق القرار 2253 القاضي بتجفيف منابع الإرهاب ووقف الدعم التركي وا”السعودي” والقطري عن التنظيمات الإرهابية في سورية.. الثالث، وضع جدول عمل من النقط الجوهرية التي يتم الحوار بشأنها وفق الأولويات التي وردت في القرارات الأممية ذات الصلة.

ولعل السبب الرئيسي في تعطيل المحادثات، يعود بالأساس لتمسك معارضة الرياض بشروط مُسبّقة، أهمها وقف إطلاق النار، والذي كانت الدول المتآمرة على سورية تسعى من ورائه لوقف التقدم المدهش والملاحم الرائعة التي كان يحققها الجيش العربي السوري وحلفائه من الجو وعلى الأرض، والتي تسارعت بشكل أصبح ينذر بقرب هزيمة الإرهاب في سورية، ما يفقد المحور المعادي كل أوراقه العسكرية والسياسية.

روسيا كانت مدركة لهذا الرهان الغبيّ، لذلك كان الوزير لافروف يرفض ربط محادثات جنيف بالعمليات العسكرية ضد الإرهاب، وكان يقول، أن روسيا والجيش العربي السوري وحلفائه لن يوقفوا العمليات العسكرية قبل إلحاق الهزيمة بـ”داعش” و”النصرة” والتنظيمات الإرهابية الموالية لهما.. لكن أمريكا وحلفائها وأدواتها كانوا مدركين أن كلام الوزير الروسي لا يعدو أن يكون كلاما نظريا بلا معنى، لأن الإنجازات في الميدان العسكري هي من تحدد عمليا نتائج المفاوضات السياسية، لذلك، تعرض الوزير لافروف لحملة انتقادات لاذعة من لندن والرياض وتركيا وإلى حد ما من فرنسا، فيما وصلت الوقاحة بمعارضة الرياض لاتهام روسيا بارتكاب جرائم حرب ضد الشعب السوري.

منذ اليوم الأول، كان واضحا أن قبول “السعودية” بإرسال أدواتها إلى جنيف بضغط من الوزير كيري، لم يكن بنية الدخول في مباحثات جدّية مع وفد الحكومة السورية حول الحل السياسي في سورية، بل كان هدفها الأساس إفشال جنيف 3 وإسقاط قرار مجلس الأمن 2254 وبالتبعية القرار 2253 لإطالة أمد الصراع في انتظار رحيل الرئيس أوباما وقدوم رئيس جمهوري عدواني ليعلن الحرب على سورية.

لكن؟.. هل كان بإمكان الرياض الرهان على إطالة عمر الصراع في سورية بدعم التكفيريين بالمال والسلاح، وهي تعلم أن روسيا عزلت تركيا وأغلقت معظم المنافذ معها، ونزعت من السلطان أردوغان كل الأوراق التي كان يراهن عليها في الشمال السوري، من تركمان وشيشان وقوقازيين وإيغوريين و”داعش” و”النصرة” و”جيش الإسلام” و”أحرار الشام” وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي منيت بهزائم كبيرة وهرب معظمها نحو الحدود طلبا للنجاة بعد أن فقدت المبادرة والبوصلة معا؟..

اليوم وبعد فك الحصار عن نبل والزهراء وتطويق حلب من جهات ثلاثة وتطيهر الريف الحلبي الجنوبي والشمالي والشرقي في انتظار تطهير أحياء المدينة الشرقية قبل بدأ تحرير ريف إدلب، قالت موسكو، إن التقدم الذي تحقق على محور حلب بغطاء جوي روسي قلب المعادلة العسكرية بشكل جذري في سورية، وهذا كلام كبير له وقع الزلزال في عواصم التآمر على الشعب السوري..

لأن معركة حلب هي أم المعارك وأهمها، إذا سقطت أذنت بقرب نهاية الحرب على الإرهاب في سورية، حيث سيتوفر للجيش العربي السوري وحلفائه فائض من القوة البشرية والنارية لتركيز الحسم على معركة تدمر والرقة عاصمة “داعش” في سورية، بموازاة تطهير ريف القنيطرة وصولا إلى الحدود مع الجولان المحتل..

حينها ستعلن سورية انتصارها التاريخي على الإرهاب وعلى داعميه، وسيكتب التاريخ أن في سورية سقط مشروع الشرق الأوسط الصهيوني الكبير بالضربة القاضية، تماما كما سبق وأن وعد سيد المقاومة حسن نصر الله عندما قرر دخول الحرب ضد التكفيريين في سورية صيف 2013.

لا شك أن الرئيس أوباما الذي هدد بوتين بالفشل في سورية يعض أصابعه غيضا من ما يرى من انتصارات لروسيا وإيران وحزب الله والرئيس الأسد في سورية، ويقول مع نفسه، كم كنت غبيا حين راهنت على الإرهاب لتغيير المعادلات العسكرية على الأرض، ولو تحالفت منذ اليوم الأول مع الرئيس الأسد والجيش العربي السوري لمحارابة الإرهاب لانتصرت اليوم ودخلت التاريخ من أوسع أبوابه، ولضمنت لحزبي كرسي الرئاسة في الإنتخابات المقبلة..

ولكن.. فات الأوان ولم يعد بيد أوباما من خيارات تنقذ ماء وجهه الكالح غير الرضوخ للشروط الروسية والإيرانية لإنجاز الحل في سورية.. لأن نجاح جنيف 3 هو آخر ورقة تبقت للرئيس أوباما، قبل أن يقول التاريخ عنه أنه نجح في رفع الحصار عن كوبا، ونجح في عقد الإتفاق النووي مع إيران.. لكنه ويا للكارثة، فشل فشلا ذريعا في سورية، فكان السبب في انتشار الإرهاب وتمدده إلى كل أصقاع الأرض..

حينها سيلعنه التاريخ وتلعنه الشعوب والأجيال القادمة، وسيقول المؤرخون، أن ما لم يفهمه الخبراء والمنظرون في أمريكا والغرب الأطلسي الذين يوجهون سياسات حكومات بلادهم الخارجية، هو أن حلف إيران – روسيا – سوريا – حزب الله، لم يكن حلفا استراتيجيا فحسب، بل كان حلفا وجوديا.. لذلك انتصر.

المصدر: بانوراما الشرق الأوسط

أحمد الشرقاوي

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: