الفصائل «المعتدلة والمشاركة في العملية السياسية»: حركة نور الدين زنكي نموذجاً

المشاهد المصوّرة المروعة التي أظهرت عملية قطع رأس الطفل الفلسطيني عبدالله عيسى ذي الـ12 عاماً على أيدي مقاتلي حركة نور الدين زنكي، فتحت المجال واسعاً أمام حملة انتقادات لا تتوقف حول الفصائل المدعومة تركياً وبالتالي أميركياً وأطلسياً في سورية، في خضم الحديث عن إحياء التنسيق الروسي الأميركي حول سورية وتطويره ليشمل العسكري والسياسي، وافتتاح مركز مشترك لضبط الإيقاع في سورية مقره الأردن.


مما لا شك فيه أن الحادثة المروّعة آلمت الكثيرين، لكن ما يتم إغفاله هنا، هو الانسياق الأعمى وراء التوجيه الغربي للحادثة والتي تأتي في إطار «العدوى» بالتطرف والتي تنتقل من التنظيمات القاعدية المتمردة إلى تنظيمات «الحر» المرتبطة بالمعادلة الغربية وكأن هذه التنظيمات هي علمانية، لكن هواء النصرة وداعش المسيطر على جغرافيا أوسع نقل إليها العدوى، فهل الأمور تجري بهذه الطريقة، وهل يصح ذلك؟ كما أن الرواية الغربية للأحداث ركّزت على مبدأ نقل الفيديو ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي باعتباره «يضر بصورة التمرد في الخارج» وفق بنجامين بارت مراسل صحيفة لوموند الفرنسية في بيروت، وهو ما يثبت بالدليل القاطع تواطؤ الغرب أولاً مع هذه التنظيمات الإرهابية، وثانياً وهو الأهم حنق المعارضة وغضبها على النشر وليس على الفعل بحد ذاته والذي يتم تسويغه منذ حادثة آكل قلب جندي سوري على يد الإرهابي «أبو صقار»: حينها كان منتمياً إلى ما يسمى «الجيش الحر» وفق مبدأ رد الفعل على فعل الجيش السوري والقوات الرديفة لفرض النظام في البلاد.
إذاً المشكلة تكمن في التعاطي المراهق لحركة نور الدين زنكي التركمانية مع قطع رأس الطفل، وليس مع الفعل بحد ذاته، وهنا يأتي وزير الخارجية الأميركية جون كيري ليقول «إن المعركة مع داعش بعيدة عن نهايتها»، وهو بذلك كمن يمهّد لاستمرار الحال على ما هو عليه، واحتواء كل الأطراف عبر الدعوة إلى حل سياسي يتم فيه إشراك حركات من أمثال «نور الدين زنكي»، التي لم تبث فيديو مصوراً لعمليات الإبادة التي تمارسها في الحل السياسي على قاعدة مكونات المجتمع السوري المتعددة وتقسيم الأمر الواقع الميداني المرتبط بهدنة شاملة تريد واشنطن لها أن تتم على الأرض السورية بالتعاون مع موسكو.
إن فصل التنظيمات المسلّحة في شمال البلاد تحديداً، كما تريد موسكو، عن النصرة يفقد معناه في ظل حقيقة أن جميع التنظيمات الموجودة على مقربة من الحدود التركية مرتبطة بشكل وثيق بأجندة خارجية إقليمية ودولية تعمل على إعادة البلاد إلى عصور ما قبل التاريخ على قاعدة «العملية السياسية والمشاركة» وهو ما يساهم في تعزيز الانقسام وضرب تضحيات من قاوم داخل البلاد بعرض الحائط، فمن أعدم الطفل في أغلبيتهم يحملون الهوية السورية ويهللون لهذا الطقس القاعدي، وبالتالي هم إرهابيون يجب القضاء عليهم، وليس إشراكهم في الحل السياسي في سورية.
إن ما جرى مع عبدالله عيسى ليس منفصلاً عن الاحتفال بنجاة أردوغان من الانقلاب الذي جرى في تركيا ليل 15-16 تموز الجاري، وهو في جزء منه استعراض للنموذج الإسلامي في الحكم على قاعدة الترهيب كما فعل الرئيس التركي بالضبط في تركيا، حيث بدأ عملية تطهير شاملة في الدولة التركية عبر ثلاثي تكبيرات الجوامع والدفع بالمدنيين إلى الميادين وتحريك الأجهزة القمعية السلطوية الموازية للجيش في تركيا المتمثلة بالاستخبارات العامة والشرطة، في صورة حكم ديمقراطي ومشاركة على قاعدة تفتيت أي كيان يتجرأ على تسمية الأمور بمسمياتها والخروج عن سيطرة الإسلام السياسي التركي الذي عمم نموذج الحكم والخراب في جميع الدول العربية التي شملها «الخريف الغربي».

عامر نعيم الياس

المصدر: “الوطن

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: