مرارة الانقلاب في فم أردوغان

كأن رجب طيب أردوغان يعيد علينا خطاباً سمعناه من قبل، خطاباً يقول (أمريكا خانتنا)!! هذا هو بالحرف معنى المرارة التي تخرج من فمه بعد محاولة التمرد العسكري في 15/7/2016، وكأنه أول شخص يكتشف هذه الحقيقة، من دون أن يقرأ كتب التاريخ، وتجارب الزعماء، والقادة، والملوك، والأنظمة التي خانتهم أمريكا، قد يبدو الأمر (خيانة) بمنطقنا الشرقي، ولكنه ليس كذلك بمنطق الأمريكي الذي لا يبحث عن شيء في العالم سوى مصلحته، وأهدافه من دون أن يسأل عن الوسائل التي توصله لهذه المصلحة. هي.. هي الإمبراطورية الأمريكية لم تتغير، ولن تتغير مهما كان لون الرئيس، وثقافته، لا فرق على الإطلاق- لأن ما يحرك أمريكا: مصالحها، واستمرار هيمنتها- أما الطرق للوصول إلى ذلك فلا تحكمها الأخلاق، ولا المبادئ، وهي القضية التي تشكل جوهر الاختلاف، والصراع بينها، وبين قوى أخرى صاعدة في العالم.


حينما يسأل أردوغان الغرب قبل أيام: [هل الغرب يدعم الإرهاب أم لا؟ وهل الغرب إلى جانب الديمقراطية أم إلى جانب الانقلابات، والإرهاب؟] ليجيب بنفسه عن السؤال قائلاً: [للأسف الغرب دعم الإرهاب، ويقف لجانب الانقلابات؟؟] وليتابع خطاب المرارة: [نحن لم نتلق الدعم، كما كنا نتوقع من أصدقائنا لا أثناء، ولا بعد محاولة الانقلاب، ولم يأتِ زعيم غربي إلى تركيا ليعبر عن تعازيه، ويُظهر تضامنه مع الشعب التركي!!!].
الآن نريد أن نسأل: هل موقف أمريكا تجاه أردوغان، يختلف عن موقفها تجاه صدام حسين، أو القذافي؟ أبداً لا اختلاف في ذلك فصدام استخدم في حرب ظالمة على إيران ثماني سنوات، ثم أتت أدوات أمريكا في الخليج ليطالبوه بالديون المتراكمة بعد الحرب، بسبب فشله في تغيير الواقع، ولعبوا بأسعار النفط كي لا يتمكن من ترميم خسائره، وبعد ذلك أوحوا له بغزو الكويت لتبدأ رحلة القضاء عليه وتفكيك العراق، وتقسيمه، ووحدها سورية آنذاك وقفت مع العراق أواخر التسعينيات، وفتحت الأبواب الاقتصادية لإضعاف الحصار الخانق على الشعب العراقي، والعراق، ليس من باب الحرص على صدام، إنما من باب الحرص على العراق نفسه، وهو ما عبر عنه الرئيس بشار الأسد في قمة شرم الشيخ (آذار/2003) التي أريد لها أن تشرعن احتلال هذا البعد العربي بالقول: (أنا لا أعرف صدام حسين شخصياً، وإذا كنا نختلف على صدام، فهل نختلف على العراق كبلد عربي).
أليست هي القصة نفسها تتكرر مع أردوغان لكن بسيناريو آخر، وطريقة أخرى؟ ألم تستخدم أمريكا تركيا لتدمير سورية وتفكيكها!!! وتفتيت مجتمعها إلى طوائف، وإثنيات، ومذاهب، من دون أن يفهم أردوغان أن الدور آتٍ على تركيا، وأنها ستُقسم كما غيرها من بلدان المنطقة؟
حتى أولئك الوطنيين الأتراك الذين عارضوا هذا المشروع التقسيمي وكانوا يعلون الصوت من أن تقسيم سورية، سيؤدي لتقسيم تركيا، تم وضعهم في السجون، وإزالتهم من المؤسسة العسكرية ومن مؤسسات الدولة التركية كلها تمهيداً لتنفيذ مشروع التقسيم.
يقول أردوغان بعظمة لسانه (لقد نفذنا لهم كل ما طلبوه، فماذا يريدون بعد ذلك؟) يريدون تركيا كلها، ويريدون تقسيمها ويريدون ضرب دول المنطقة ببعضها البعض، وتدمير شعوبها، وتفتيتهم إلى ملل، وطوائف، وإثنيات، هذا هو المشروع، وهذه هي أهدافه- فلماذا تبدو المرارة، والمفاجأة لدى أردوغان!!! – ألم يقل الرئيس بشار الأسد في اسطنبول (أيلول 2009- أمام كوادر حزب العدالة والتنمية- كلاماً للتاريخ: (إن علينا أن نتوقف عن أن نكون وقوداً لمشاريع الآخرين في منطقتنا)- محاولاً عدم تكرار تجارب التاريخ عندما اتهم الأتراك، العرب أنهم تآمروا لتدمير الإمبراطورية العثمانية، واتهم العرب- الأتراك بأنهم سبب تخلفهم، وأن عنصريتهم هي سبب تفكيك الإمبراطورية العثمانية، ومع ذلك أرادت سورية أن تنقل المنطقة إلى منطق التشابك، والمصالح، والازدهار، والتطور، والذي عبره يحقق الجميع مصالحه، وتطلعات شعوبه، من دون هيمنة، أو مقاربات طوباوية – مريضة لن تحقق أي شيء.
بغض النظر عن نبش الماضي المرير، والمآسي، والكوارث التي سببتها سياسات أردوغان تجاه سورية، والمنطقة، فإن بدء الاعتراف بأخطاء هذه السياسات، والعمل على تعديلها، والانقلاب عليها، قد يكون خطوة أولى نحو قلب المعادلات في المنطقة، وسوف ننتظر زيارة أردوغان إلى بطرسبورغ في التاسع من آب الحالي لنرى، ونختبر حجم التحولات في السياسة التركية، ذلك أن إعادة بناء الثقة هي من أصعب الخطوات في عالم السياسة.
أمريكا خائنة!! هي العبارة نفسها التي سمعناها من أردوغان، ومن بعض مدعي المعارضة السورية في الخارج، ومن السعوديين، ومن غيرهم، ولكن الدرس الذي لا يريد هؤلاء جميعاً تعلمه أن أمريكا تستخدم الحصان الرابح دائماً، وتبحث عن مصالحها، ومصالحها فقط، لأنها ليست جمعية خيرية، أو تبشيرية، وإنما إمبراطورية كبرى تقوم على مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة)، ولا تجد صعوبة إلا مع أولئك القادة المتمسكين بمصالح شعبهم وأمتهم، لأنها البوصلة الحقيقية، أما من يعتقد أن أمريكا سوف تحميه عندما يفشل، فهو كمن يراهن على السمك في الماء.

د.بسام أبو عبد الله

المصدر: “الوطن

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: