ما العقبات أمام «التفاهمات» الروسية الأميركية؟

توصلت الولايات المتحدة وروسيا –كما هو معروف- إلى أكثر من تفاهم حول الأوضاع في سورية بين وزيري خارجية البلدين «لافروف وكيري» في سياق التعاون لإيجاد حلول مقبولة لهذه الأوضاع. ومن هذه التفاهمات على سبيل المثال، وقف الأعمال القتالية، إلا أن معظمها تعثر تنفيذه، والمشكلة الأهم التي تواجه هذه التفاهمات، كما يبدو، هي تعدد مراكز صنع القرار الأميركي المختلفة.. البنتاغون، ووزارة الخارجية، والبيت الأبيض، والسي آي إيه، إلى جانب الكونغرس وجماعات الضغط المختلفة، التي تُسهم إسهاماً مباشراً في صنع قرار السياسة الخارجية الأميركية..


ويبدو أن الوزير «كيري» من بين مراكز صنع القرار الأميركي، هو الأكثر حماسة للتعاون مع موسكو والتنسيق معها.. لكنه يلقى انتقادات حادة في سياسته تجاه سورية تدفعه إلى التراجع بين الحين والآخر عن بعض تفاهماته مع نظيره الروسي «سيرغي لافروف»، حتى أنه يذهب أحياناً –كما حدث في الأمس القريب- إلى تشدد كبير، فيهدد بإعلان القطيعة مع موسكو، إذا ثبت أن «الممرات الإنسانية» التي أقامتها في حلب، ليست سوى نوع من الخدعة أو المناورة. إذاً، تشكو روسيا من مماطلة واشنطن في تنفيذ التفاهمات التي يتم التوصل إليها عبر لقاءات (لافروف- كيري)، وكما أشرنا فإن بعض المسؤولين الروس يعزو ذلك إلى الخلافات والتباينات في الآراء بين مؤسسات صنع القرار في واشنطن.. إلا أن مسؤولين روساً آخرين يذهب بهم الشك إلى درجة اتهام الولايات المتحدة بممارسة «لعبة مزدوجة» تتحدث عن الحاجة لحل سياسي في سورية، وفي الوقت نفسه، «تدعم» المجموعات الإرهابية في سورية، تحت ستار أنها «معارضة معتدلة»!.. تتحدث واشنطن عن أنها تحارب الإرهاب وتقبل بإدراج جبهة النصرة التي بدّلت اسمها لاحقاً إلى «جبهة فتح الشام» على لوائح الإرهاب السوداء، إلا أنها تُمانع في قيام سورية وحلفائها بتوجيه أي ضربات لها قبل أن تتم عملية الفصل أو المخالعة بين الأخيرة والمنظمات الأخرى التي تتداخل معها ميدانياً وفي أماكن التمركز والانتشار!
مع ذلك، تصر روسيا على استمرار التعاون والعمل المشترك مع الأميركيين للوصول إلى عملية سياسية في سورية، لإيجاد استقرار في المنطقة بأسرها وحتى في العالم برمته، ذلك أن سياسة «بوتين» تقوم كما نرى على التشاركية والتعاون مع الآخرين لإطفاء نار البؤر المشتعلة هنا وهناك.
إضافة إلى ذلك، فإن موسكو ترى الآن أن الفرصة مناسبة قبل أن تنتقل مقاليد السلطة إلى (هيلاري كلينتون) ووزيرة دفاعها المرجحة في عهدها (ميشال فلورنوا)، وهما ثنائي (صقري) معروف برغبته الدفينة في توسيع التدخل العسكري المباشر في سورية.. كلينتون دافعت عن ضرب سورية والجيش السوري عندما كانت وزيرة الخارجية، ووزيرة الدفاع المرجحة في عهدها (ميشال فلورنوا) متحمسة أيضاً لتوجيه ضربات موجعة للجيش السوري وحلفائه، وبالتالي، فإن روسيا حريصة على التوصل مع الأميركيين إلى المزيد من (التفاهمات) قبل أن يصبح التفاهم عصياً على التحقق أو مستحيلاً، وفي الوقت نفسه تحرص روسيا على تثبيت وقائع جديدة على الأرض في شمال سورية ووسطها وجنوبها، قبل أن تأتي الإدارة الأميركية الجديدة حاملة برنامجاً مغايراً للعمل في سورية.
إجمالاً، من الواضح أن التردد في الموقف الأميركي، سواء أكان ذلك كله ناجماً عن خلافات داخل الإدارة الأميركية، أم يراد به المناورة وكسب الوقت وانتزاع المزيد من التنازلات من موسكو وحلفائها، سيزداد في ضوء اضطراب علاقات واشنطن بحلفائها الإقليميين، فالعلاقة التركية- الأميركية تتجه إلى التعقيد، والعلاقة الأميركية- الخليجية تحكمها الشكوك. ولكن في المحصلة فإن موسكو نجحت في أن تكون لاعباً رئيسياً في معظم ملفات المنطقة.

المصدر: “الوطن

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: