العدوان الأميركي وخلط الأوراق

يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية والكيان الإسرائيلي قد استنفدا أدواتهما كافة، فقررا التدخل العسكري المباشر في حربهما على سورية.


وأياً تكن محاولات التبرير التي تسوقها الدبلوماسية الأميركية بوجوهها المتعددة، غير أن الوقائع الميدانية فيما يتعلق بالغارات –العدوان- التي قام بها ما يسمى «التحالف الدولي» بقيادة واشنطن ضد مواقع الجيش العربي السوري قرب مدينة دير الزور وتمهيد الطريق لداعش للانقضاض السريع والمنسق على هذه المواقع، تثبت بما لا يقبل الشك أن هذه الغارات مقصودة ومُدَبّرة لأسباب عدة أبرزها: أولاً، الحاجة الأميركية إلى إشغال الرأي العام والإعلام بموضوع جديد ومثير يريح واشنطن من الضغوطات السياسية والإعلامية التي مارستها عليها الدبلوماسية الروسية لدفعها للكشف عن مضامين الاتفاق المعقود مع موسكو، وخصوصاً بعد تداول معلومات تؤكد عدم تضمين هذا الاتفاق أي بند أو أي إشارة إلى موضوعين كانا يعتبران أساسيين بالنسبة للإدارة الأميركية وحلفائها وهما: مصير الرئيس بشار الأسد والمرحلة الانتقالية المفترضة لإعادة تكوين النظام والسلطة. ثانياً، التوجه الأميركي لرسم خريطة نفوذ سياسية – عسكرية تصل بين شمال العراق (الموصل) وشرق سورية (دير الزور)، وبالتالي فإن تلك الغارات –العدوان- كانت تحذيراً استباقياً للطرف الآخر بهدف إفهامه أن تنفيذ الاتفاق لا يمكن أن يتجاوز مصالح حيوية أميركية في المنطقة المذكورة. ثالثاً، السعي الأميركي لإعادة إحياء تفاهم «وقف الأعمال العدائية» واعتباره مدخلاً ضرورياً لتنفيذ الاتفاق الجديد وخصوصاً منه الشق المتعلق بإسطوانة الحاجة إلى إدخال «المساعدات الإنسانية» إلى بعض المناطق وفق برنامج الأولويات الأميركية مع إضافة شروط جديدة إلى ذلك التفاهم تمنع الجانب السوري من تفتيش محتويات الشاحنات التي ستنقل هذه المساعدات بحجة أنها موضبة من هيئات معنية تحت إشراف الأمم المتحدة مع ما يعنيه ذلك من انتقاص للسيادة وفق الثوابت الوطنية والدولية السورية.
إضافة إلى ذلك كله، فإن العقدة كانت ومازالت في وضع آلية واضحة من الطرف الأميركي لتطبيق الاتفاق بسبب عدم رغبته في كشف تفاصيله إلى أتباعه فيما يسمى «المعارضة المعتدلة» بحيث اضطر إلى إبلاغها عناوين مسودة باللغة العربية في العاشر من الشهر الجاري عبر المبعوث الأميركي الخاص مايكل راتني. وقد ذكرت مصادر دبلوماسية مطلعة أن هذه المسودة ترافقت مع مطلبين أميركيين أساسيين من هذه المعارضة لم يتحققا عملياً يتعلقان بضرورة تخفيض مستوى العنف التزاماً بتفاهم «وقف الأعمال العدائية»، وكذلك السعي إلى تجنب التعاون مع ما يسمى «جبهة فتح الشام» وخاصة أن طرفي الاتفاق الروسي والأميركي قد رسما خريطة استخباراتية مشتركة حول مواقع تمركز مقاتلي هذه الجبهة وكذلك مقاتلو «داعش».
على أي حال، بات من الصعب الآن العودة إلى مرحلة ما قبل العدوان الأميركي الذي أسقط إمكانية تطبيق الاتفاق الموعود، ما يعني خلطاً جديداً وسلبياً للأوراق يعيد تثبيت أولوية القيادة السورية من جهة استكمال الحرب على الإرهاب حتى القضاء عليه وبسط سلطة الدولة الوطنية والقانون على الأراضي السورية كافة في مقابل المحاولات الأميركية والإسرائيلية إشغال محور المقاومة واستنزافه عسكرياً كذلك استنزاف حليفه الروسي سياسياً.

محمد عبيد

المصدر: الوطن

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: