المحلل السياسي السوري مازن بلال: الحظر الجوي قد يؤدي إلى تأجيل استحقاق محاربة “النصرة”

تكلمنا مع المحلل السياسي السوري مازن بلال و سألنه عن رأيه حول التطورات السورية الأخيرة. - ما هو رأيكم عن اقتراح الولايات المتحدة بفرض الحظر الجوي في سوريا؟  هل تظن أن هذا الحظر سيعزز مواقف المسلحين والإرهابيين؟ يشكل هذا الاقتراح ذروة الصدام السياسي مع موسكو، لأنه موجه أساسا للقوة الروسية على الأرض السورية، وبالتأكيد فإن واشنطن تعرف تماما مدى الصعوبات التقنية التي يمكن أن يفرضها مثل هذا الأمر لأنه يتطلب تعاونا مع روسيا لمراقبة الأجواء، فالاقتراح تصعيد سياسي بالدرجة الأولى ومحاولة لتجاوز الاتفاق الروسي – الأمريكي في جنيف الذي "قسم" الأجواء السورية وفقا لتوزع المجموعات المسلحة، ويمكن النظر إلى هذا الطلب الأمريكي وفق نقطتين أساسيتين: الأولى هو محاولة الإدارة الأمريكية إدارة الصراع بعيدا عن مسألة فصل المجموعات المسلحة ما بين متطرفة ومعتدلة، لأن الحظر هنا سيكون شاملا ويضم حتى المناطق المختلطة ما بين "النصرة" وباقي الفصائل، وبالتالي تأجيل استحقاق محاربة "النصرة" لمرحلة لاحقة بعد أن يتضح بالنسبة لها السيناريو الكامل للحل السياسي.

النقطة الثانية مرتبطة بعلاقاتها مع حلفائها الإقليمين، لأن الجماعات المسلحة إجمالا هي امتدادات للنفوذ الإقليمية في سورية، ومن هنا فإن هذا الاقتراح رغم أنه مرفوض روسيا لكنه سيتيح لحلفاء واشنطن هامشا للتحرك السياسي وكسب الوقت، فالاقتراح جاء خلال اجتماعات الجمعية العامة وهو بذلك يتيح حملة سياسية عامة ويطرح أيضا تحركا دبلوماسيا مضادا لمواقف موسكو من الأزمة السورية.

عمليا فإن مثل هذا الاقتراح هو مقدمة سياسية أكثر من كونه قرارا يحمل إدارة أمريكية لتنفيذه، وأثار أيضا ردود أفعال حتى داخل البينتاغون، فلو طبق سيتيح لكافة الفصائل أن تعزز مواقعها، لكنه في النهاية دفع إلى نوع من التحرك السياسي تجاه تلك الفصائل؛ فشهدنا تحولات حادة داخلها أدت على سبيل المثال إلى انضواء حركة “نور الدين الزنكي” تحت راية “فتح الشام” (النصرة سابقا)، بينما شهدت حركة أحرار الشام انشقاقات لجهة إخراج “المهاجرين” (القيادات غير السورية) واتجاه هذه الحركة نحو توجهات الإخوان المسلمين، فالاقتراح الأمريكي يأتي في سياق إعادة هيكلة التشكيلات المسلحة وفرزها من جديد بشكل يتوافق مع المرحلة المقبلة.

– هل تستطيع الولايات المتحدة السيطرة على الجماعات المعارضة؟

لا أحد يستطيع السيطرة بشكل مطلق على الجماعات المسلحة، لأنها تمثل “ظاهرة” وليست مجرد أشكالا تنظيمية، فهناك إمكانية للحد من قدراتها أو لمحاصرتها ماليا، لكن في المقابل فإن الاتصال المباشر بها معدوم وهناك وسطاء يقومون بالتواصل معها، فالمجموعات المسلحة في سورية متعددة بشكل كبير وتمتلك مرونة تتيح لها التحرك في مواقفها بشكل سريع، وهي أيضا لا تملك مشروعا سياسيا واحدا لذلك فمن المستحيل ضبطها بشكل كامل.

تدرك الولايات المتحدة أن التعامل مع المجموعات المسلحة هو شكل من توجيه الصراع وليس التحكم بالمجموعات نفسها، وهي خاضبت تجارب في هذا الموضوع من خلال تدريب وتسليح بعض الفصائل، كما أنها تراقب التجربة التركية في هذا الموضوع حيث تبدو الصعوبات واضحة في تحكم أنقرة بالمجموعات التي تستخدمها من أجل ما يسمى عملية “درع الفرات”، ومن هذه النقطة تحديدا فإن واشنطن تتجنب التعامل المباشر مع موضوع السيطرة على تلك المجموعات وتفضل توجيهها من خارج دائرة الصراع عبر مجال سياسي يشعر هذه المجموعات بـ”شرعية” تحركها وبأنها محمية دوليا، ولكن رفع هذا الغطاء السياسي لا يعني أن ستتوقف عن القتال، فهي ستضعف إلا أنها ستخلق أزمات مختلفة ليس أقلها الانضمام لداعش أو حتى ممارسة الإرهاب خارج الأراضي السورية خصوصا مع وجود أجانب في كافة التنظيمات الموجودة على الأراضي السورية.

– هل ستفي أمريكا بوعدها بفصل المعارضة المعتدلة عن الجماعات الإرهابية المتطرفة في سوريا؟

عملية الفصل تعني أمرين: الأول هو القبول بتحديد عدو واضح المعالم بالنسبة للولايات المتحدة، وبالتالي لن ستخرج السلطة السورية من دائرة الاستهداف الأمريكي، وستصبح شريكا مع الولايات المتحدة وروسيا في محاربة هذا العدو، وهذا الأمر مرفوض أمريكيا ما لم يحدث انتقال للسلطة في سورية. الأمر الثاني هو أن الفصل يتطلب أيضا تحديد الأدوار الإقليمية أي إبعاد تركيا وسعودية عن الملف السوري، وهذا الأمر لن يحدث إلا في حال رسم منظومة جديدة للشرق الأوسط وتحديد الأدوار الإقليمية بأكملها، إضافة لقبول روسيا كشريك كامل في هذه المنظومة، فمسألة الفصل ليست شأنا تقنيا بل تتطلب قرارات استراتيجية لا يبدو أن واشنطن مستعدة للقبول بها في الوقت الحاضر.

– كيف تقدّر دور تركيا في دعم الجماعات المعارضة في شمال سوريا؟ هل تعتبر هذه الجماعات معارضة سورية أو مرتزقة أجانب؟

في الحالة السورية فإن “المعارضة” تبدو ظاهرة إقليمية أكثر منها محلية، لأن معظمها موزع في العواصم العالمية، وأما المعارضة المسلحة فأغلبها يتخذ شكلا جهاديا وليس سياسيا، وبالتأكيد فإن تركيا متأثرة بهذا الأمر لأن دعمها للمعارضة بشقيها السياسي والعسكري خرج عن إطار المألوف، فهي لم تعد قادرة على وقف هذا الدعم بعد خمس سنوات من الصراع، حيث شكلت عملية الدعم شبكة من المصالح السياسية والاقتصادية داخل تركيا، بينما أدت المعارك إلى واقع غير مسبوق على الحدود التركية – السورية، ودفعت بمجموعات جديدة إلى واجهة الأحداث مثل “الأكراد” على سبيل المثال.

عمليا من الصعب توجيه اتهام كامل بأن المجموعات هي من المرتزقة، فهنا سوريون في النصرة وداعش وغيرها من الفصائل، وصفة “المرتزقة” تنطيق على المشروع العام لهذه المجموعات وليس على أفرادها لأنها تشكل طموح إقليمي وليس سوري، وتعبر عن ثقافة معاكسة لمبادئ الجمهورية التي عمل عليها السوريون منذ المؤتمر السوري الأول عام 1920 وحتى تحقيق الاستقلال عام 1946.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: