شريط الأخبار

علماء آثار من فرنسا وبولونيا وإيطاليا في دمشق

غم كل الحقد الذي عانت منه سورية خلال السنوات الماضية من عمر الحرب، ورغم أن ثمانين بلداً دأبت طوال تلك الفترة على استهداف سورية بثقافتها وحضارتها وآثارها، لكن رصيدها من الحب لا يزال قائماً في نفوس كل العلماء والآثاريين الذين يدركون، قبل غيرهم، أن سورية هي وطن العالم، وأن ما فيها من غنى حضاري وثقافي يجعل منها القبلة التي لا يمكن لأي متنوِّر أن يتخلى عنها، وفي هذا الإطار توافد العشرات من العلماء والباحثين الأجانب ممن عملوا في حقول التنقيب عن الآثار السورية إلى دمشق للمشاركة في مؤتمر «رؤى ومقترحات جديدة لإحياء التراث السوري»، وذلك في بادرة هي الأولى من نوعها تؤكد أن سورية ستبقى مهد الحضارة الإنسانية، وأقوى من كل من اعتدى على حضارتها.

مدير الآثار والمتاحف الدكتور مأمون عبد الكريم أوضح في كلمته التي افتتح بها فعاليات المؤتمر في اليوم الأول أن المديرية العامة للآثار والمتاحف دأبت منذ بداية الأزمة على التواصل والحضور الفعال على المستوى الدولي، ما ساعد الشركاء الدوليين على فهم حقيقة ما يجري من استهداف إجرامي منظم للتراث والهوية والثقافة السورية، وأكد أن التاريخ سيذكر يوماً أننا واجهنا مأساتنا بكل شجاعة وتصدّينا لمهامنا بصبر وحكمة ووفاء، إيماناً منا بعدالة قضيتنا، وثقتنا بالنصر في مجابهة هذا الفكر الظلامي.

ولفت عبد الكريم إلى الجهود التي بذلها العلماء والباحثون الأجانب الذين واظبوا على التواصل المستمر مع المديرية لدعم مواقفها، مؤكدين وقوفهم إلى جانب الآثاريين السوريين في المحنة التي يمر فيها تراثهم.

معاون وزير السياحة رامي مارديني أشار في كلمته إلى أن المنتج السياحي الأهم قبل الحرب على سورية هو السياحة الثقافية، ومازالت وزارة السياحة تولي اهتماماً كبيراً للمنتج السياحي المرتكز على التراث الثقافي السوري الذي هو ملك للبشرية جمعاء، ومن الضروري إعادة إحياء هذا التراث والحفاظ على ما تبقى منه. وأضاف: هناك هجمة شرسة تعرضت لها كل المواقع الأثرية على امتداد الخريطة السورية، وخاصة في المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون، سواء عبر التنقيب الجائر أو الاعتداءات المنظمة أو العشوائية. وبجهود مديرية الآثار والمجتمع المحلي تم الحفاظ على قسم لا بأس منه من تراثنا الثقافي، ومن مهمة وزارة السياحة -كما شدّد- المساهمة في الإضاءة على هذا التراث، والمساهمة في إعادة ترميمه وألقه ليعود منتجاً ثقافياً سياحياً.

بدوره استعرض رئيس مجموعة العمل في منظمة «الإيكوموس» لحماية التراث الثقافي في سورية والعراق، الدكتور سمير عبد الحق، أعمال المنظمة منذ عام 2013، في مجال دراسة حجم التخريب المتعمد الذي قامت به الجماعات الإرهابية بحق التراث السوري، وتطرق إلى الجهود الكبيرة التي يقوم بها الباحثون في مديرية الآثار والمتاحف في سورية والجامعات والمجتمع المحلي لحماية الآثار، منوهاً بالتضحيات التي بذلها الآثاريون السوريون واستشهاد عدد منهم، وفي مقدمتهم عالم الآثار خالد الأسعد.  وأكد عبد الحق استمرار نشاط مجموعة حماية التراث الثقافي، وتحديداً في مجال التدريب والتأهيل، عبر إقامة الورش والدورات والندوات داخل سورية وخارجها لفريق مديرية الآثار والشركاء الإقليميين والدوليين لتعزيز إجراءات الحفاظ على التراث السوري وتوثيقه باستخدام أحدث التقنيات العلمية، ومنها التقنيات ثلاثية الأبعاد.

نتحضر لمرحلة جديدة

الدكتور دافيدي نادال يوهو، العضو في بعثة إيبلا، قال في تصريح خاص لـ «تشرين»: «التراث السوري تراث عالمي، ونُعِدُّ لمرحلة جديدة في سبيل إعادة إحيائه. وقد عملتُ في حقول التنقيب الأثرية في مملكة إيبلا (تل مرديخ) منذ عام 1998، وغادرتُ البعثة عندما بدأت الأحداث في سورية. صحيح أن العمل توقف، ولكن التعاون بيننا وبين مديرية الآثار بقي مستمراً حتى هذه اللحظة، ونحن اليوم نملك في جامعة روما أرشيفاً ضخماً يضم آخر ما توصلنا إليه من نتائج تخص الموقع، وذلك بالتعاون مع مديرية الآثار، وخلال السنوات الماضية، قمنا بنشر الأبحاث والدراسات والترجمات الخاصة بالرقم المسمارية في مجلة تصدر حالياً في إيطاليا، وتعنى بكل المواقع الأثرية السورية، وعنوانها (دراسات إيبلائية)».

وأردف نادال قائلاً: «حالياً نجري دراسات تساعدنا في الوصول إلى حلول بشأن إعادة ترميم المواقع الأثرية التي تعرضت للتخريب، وبعضها للتدمير، ونستعد للعودة إلى سورية في الفترة القادمة، كما نجهز لمعرض في ايطاليا من أجل تسليط الضوء على الآثار السورية وأهمية الحفاظ عليها، وسنبذل قصارى جهدنا وسنتعاون مع المديرية العامة للآثار والمتاحف من أجل ذلك».

وأشار مدير آثار ريف دمشق، الدكتور محمود حمّود، إلى أن الحضور الواسع لعلماء آثار عالميين في المؤتمر يعكس الاهتمام الدولي بما تعانيه الآثار السورية من ظلامية الإرهاب، كما يعكس التضامن الدولي معها، والتقدير لجهود مديرية الآثار والعاملين فيها لحماية التراث الثقافي، ونقل الصورة الحقيقية إلى شعوبهم ومراكزهم العلمية.

من جهته، قدم مدير التنقيب والدراسات الأثرية، أحمد طرقجي، عرضاً عن الأضرار التي لحقت بالتلال الأثرية التي كانت عرضة للتخريب على أيدي العصابات الإرهابية المسلحة، سواء بالحفر السري أو إنشاء المتاريس أو التعديات لجمع الأتربة أو مخلفات بناء على التل أو في حرمه.

التأكيد على إعادة الترميم

المرمم والمختص بحفظ وترميم الحجر المنحوت بارتوس ماكوفسكي، من «المركز البولوني لآثار البحر المتوسط» في جامعة وارسو، أعرب عن تمنياته بأن يكون هذا المؤتمر مقدمة لفعاليات علمية مماثلة تركز على صيانة التراث في سورية، خاصة أنه تأثر من جراء الأحداث الراهنة، منوّهاً بحضور شخصيات علمية مهتمة بالتراث الثقافي السوري ومتعاطفة مع ما يتعرض له.

رئيس مكتب التراث إيكونم «إيف أوبلمان» بيّن في تصريح خاص لـ «تشرين» أن المواقع الأثرية السورية عانت التخريب والتدمير الممنهجين، ومن المهم جداً توثيق هذه الأضرار. وتناولت  أعمال المؤتمر في اليوم الثاني، الذي افتتح برعاية وزارة الثقافة، وبالتعاون مع وزارة السياحة، وحضره رئيس جامعة دمشق، وباحثون سوريون، وطلاب كلية الآثار بدمشق، التراث السوري وتجربة تل موزان، وواقع المتاحف السورية، والرؤى المستقبلية، وسبل الحفاظ على عاجيّات المتاحف الوطنية السورية وترميمها، إلى جانب الأعمال الطارئة على قلعة الحصن، والإجراءات الواجب اتخاذها لمعالجة المواقع الأثرية التي دمرتها العصابات الإرهابية المسلحة خلال الحرب، والمبادئ الأساسية والعالمية لإعادة بناء التراث العالمي المفقود، إضافة إلى واقع مدينة حلب في الوضع الراهن.

الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب

وأكد الباحثون المشاركون في المؤتمر على ضرورة تبني أسلوب جديد في البحث العلمي ومنهجيات البحث الأثري والإجراءات التي اتخذتها مديرية الآثار لحماية مقتنيات المتاحف السورية خلال الحرب التي تتعرض لها سورية.

ولفتت «الأمين العام الشرفيّ» في متحف اللوفر في فرنسا الباحثة «أني كوبي» إلى أن المجموعات العاجية التي تضمها المتاحف السورية، ولا سيما متحف دمشق، تعد من المجموعات النادرة على مستوى العالم وتعود إلى عصور مختلفة كالعهد الآرامي والروماني، ولا سيما المجموعة التي عثر عليها في قصر الحاكم الآشوري أرسلان طاش. وبينت «كوبي» أن تنوع مصادر القطع العاجية السورية يعكس التمازج الحضاري الذي عرفته المنطقة كونها جلبت كمواد خام من مناطق بعيدة من عاج فرس النيل وأنياب الفيلة.

بينما سلط مدير المعهد الدولي لدراسات منطقة بلاد ما بين النهرين الباحث «جورج بوتشيلاتي» في محاضرته على تجربة تل موزان الأثري في منطقة القامشلي من أعمال صيانة وترميم للموقع، مؤكداً دور المجتمع المحلي في حماية المواقع الأثرية من اعتداءات المجموعات الإرهابية ومن عصابات التنقيب.

تعاون دولي لإعادة الترميم

من جهته دعا البروفيسور «باولو ماتييه» الإيطالي، مدير بعثة التنقيب في مملكة إيبلا إلى تعزيز التعاون بين الجهات المعنية في سورية واليونيسكو في مجال إعادة بناء التراث العالمي المفقود، مؤكداً ضرورة «احترام السيادة السورية خلال أعمال إنقاذ تراثها الأثري، وعدم اتخاذ أي إجراء يؤدي لخرق هذه السيادة في مشاريع واقتراحات إعادة ترميم الآثار», كما أكد على بناء تعاون دولي واسع عبر الخبراء والتقنيين لإعادة تأهيل التراث السوري والبحث عن مصادر تمويل لإطلاق هذا المشروع وضمان استمراريته، مبيناً أنه يجب على العالم القيام به بشكل صلب ومتماسك، ولا سيما أنه يخص الشعب السوري الذي قدم عبر العصور تطوراً حضارياً وثقافياً متميزاً.

إنشاء مركز دولي لأرشفة الآثار السورية

الدكتورة «سغولين دو بونبغيان» من جامعة «أميان» الفرنسية دعت إلى توحيد الجهود ووضع قاعدة معطيات واحدة لجميع العاملين والمهتمين في الآثار السورية من مختلف البلدان لتبادل المعلومات وإيجاد فضاء تشاركي عبر شبكة الانترنت بهدف تشارك الأفكار والمعطيات، تمهيداً لإنشاء مركز دولي للأرشفة بهذا الخصوص.

أما الباحثان الدكتور همام سعد من مديرية الآثار والمتاحف، والمهندس إيف أوبلمان من مكتب إيكونيم، فقد تناولا في مشاركتهما توثيق التراث باستخدام تقنيات التصوير ثلاثية الأبعاد والتصوير الجوي لأخذ لقطات دقيقة والاستفادة منها في تصميم نماذج ثلاثية الأبعاد شبيهة بالمواقع الأصلية بهدف الاستفادة منها لدى الشروع بأعمال الترميم وإعادة تأهيل الموقع الأثري.

بدوره تحدث مدير شؤون المتاحف في مديرية الآثار الدكتور أحمد ديب عن الإجراءات التي اتخذتها المديرية من أجل حماية مقتنيات المتاحف من عمليات السرقة والنهب الناجمة عن الاعتداءات الإرهابية، حيث وضعت أغلب مقتنيات المتاحف من القطع الأثرية القيمة في أماكن آمنة.

أما رئيس دائرة آثار دمشق المهندس أحمد دالي فقد تناول أعمال الترميم وإعادة بناء بيوتات ومواقع بمدينة دمشق القديمة، لافتاً إلى الآليات المتبعة في الحفاظ على هذه المدينة ولا سيما أنها مسجلة ضمن مواقع التراث العالمي وحمايتها من النتائج السلبية للمنشآت الصناعية.

كما تناولت المهندسة عهد دياب من مديرية الآثار في مشاركتها مشروع إعادة تأهيل قلعة الحصن بعد الأضرار التي ألحقتها بها التنظيمات الإرهابية المسلحة ومراحل المشروع، بدءاً من تقييم الإجراء الأولي للأضرار وتنظيف القلعة من المخلفات التي تركها الإرهابيون وتوثيق الأضرار وتصويرها وفرز كل الأحجار المنهارة وتجميعها وإجراء عملية التدعيم الإسعافي للأجزاء المهددة بخطر الانهيار.

تجميع القطع الآثرية المحطمة ونقلها إلى أماكن آمنة لترميمها

من جهته قدم الدكتور «بالاج ماجور» رئيس قسم الآثار في جامعة بيتر بازماتي بهنغاريا عرضاً عن أعمال الترميم التي نفذها الفريق الآثاري الهنغاري في قلعة المرقب، وتحدث المرمم «بارتوس ماركوفسكي» من المركز البولندي لآثار البحر المتوسط عن أعمال الإنقاذ والحفاظ على المنحوتات الحجرية في متحف تدمر لعام 2016 التي طالها إرهاب تنظيم «داعش» ولاسيما تمثالي أسد اللات وأثينا، إضافة إلى القطع الأثرية الصغيرة واللوحات الجدارية، التي كان معظمها محطماً، إذ تم تجميعها في صناديق وفرزها، ونقلها إلى أماكن آمنة، ليتم لاحقاً التعامل معها ضمن برنامج لترميم وحفظ تلك القطع. كما تحدث المدير السابق لمعهد دراسات إيجه والشرق الأدنى في المجلس الوطني للبحوث في روما «ميروسلافو سلفيني»، عن القيمة التاريخية للتراث الأثري السوري والتي ظهرت في وثائق ممالك ماري وقطنة واوغاريت ومسكنة وإيبلا مكونة جزءاً مهماً من التراث الإنساني العالمي، لافتاً إلى ضرورة نشر هذه الوثائق للمساهمة بتعريف العالم على الثقافة السورية عبر العصور.

كما رافق انطلاق فعاليات المؤتمر افتتاح معرض في الهواء الطلق للصور الضوئية على سور متحف دمشق الوطني، وتضمن 24 بوستراً تحتوي لقطات متنوعة لمواقع أثرية سورية تم تصويرها بتقنية ثلاثية الأبعاد والتصوير الفوتوغرامتري، بهدف توثيقها وإعادة تأهيل

ما تدمر منها.

وتشمل هذه الصور الجامع الأموي بدمشق وقلعة صلاح الدين ومسرح جبلة وبوابة القصر الملكي في أوغاريت باللاذقية ومعبد بل وقوس النصر ومعالم المدينة الأثرية في تدمر والجامع الأموي الكبير والقلعة والمدينة القديمة في حلب وموقع براد شمال سورية وقلعة أرواد ومعبد عمريت، إضافة إلى بوسترات تتضمن أنموذجاً ثلاثي الأبعاد لقلعة الحصن وأعمال توثيق قلعة مصياف، وأعمال توثيق في برج صافيتا ومدينة دمشق القديمة وفي حصن سليمان وقلعة الحصن في حمص وقلعة مصياف في حماة.

كما تضمن المعرض صوراً لأعمال البعثات الأثرية المشتركة مع إيطاليا وفرنسا وبولونيا وبلغاريا في عدد من المواقع الأثرية في سورية.