شريط الأخبار

الجريدة المدن تنشر النص الكامل لإفادة دي ميستورا حول سورية بمجلس الأمن

أعلن المبعوث الدولي إلى سورية ستيفان دي ميستورا، نيته في عقد جولة جديدة من محادثات السلام السورية في جنيف "في موعد أقصاه نهاية تشرين الاول اكتوبر أو بداية تشرين الثاني/نوفمبر" مطالباً الأطراف السورية أن تتخلى عن "أوهام الانتصار".
كلام دي ميستورا جاء خلال جلسة دورية عقدها مجلس الأمن الدولي بشأن سورية، الأربعاء، وتنشر "المدن" النص الكامل لإفادة المبعوث الدولي:

ستيفان دي ميستورا

مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية

إحاطة إعلامية مقدَّمة إلى مجلس الأمن

27 أيلول/سبتمبر 2017

السيد الرئيس،
اسمحوا لي أن أطلعكم أولاً على آخر التطورات، ثم أنتقل إلى آفاق المسار السياسي وتنفيذ قرار مجلس الأمن 2254.

أولاً، ما يحدث على أرض الواقع. أحدثت مناقشات عمان والاجتماعات التي جرت بصورة فعالة جداً في أستانا أربع مناطق لخفض التصعيد – في الجنوب، وفي الغوطة الشرقية، وشمال حمص، وفي محافظة إدلب. ولدينا أيضاً الآن منطقتان أخريان مما يدعى مناطق خفض التصعيد وأُحدثتا بوساطة من الاتحاد الروسي في منطقة عفرين والقلمون الشرقية.

بيد أن الوضع، كما تعلمون، ونعلم، لا يزال هشاً. إذ نشعر بالقلق إزاء هجوم جبهة النصرة على محافظتي إدلب وحماة عقب اجتماعات أستانا، وإزاء القتال الشديد الدائر هناك. ومن ذلك بعض الضربات الجوية الأولى في المنطقة منذ نيسان/أبريل، ويُزعم أن بعضها ضرب مدنيين وبنية تحتية مدنية، منها مرافق صحية، فضلاً عن قصف المعارضة الشديد لبلدات مدنية خاضعة لسيطرة الحكومة في حماة واللاذقية. ويساورنا القلق أيضاً إزاء القتال الشديد الدائر في أماكن أخرى. لذا فإن الوضع أبعد ما يكون عن الكمال. ومع ذلك، علينا أن نعترف، ونريد أن نؤكد ذلك من جديد هنا، بأن إنشاء مناطق خفض التصعيد خطوة مهمة جداً في إطار الجهد الرامي إلى تخفيف العنف في سائر البلد. وإننا نرى نتائج هذا الجهد.

تنظيم الدولة الإسلامية في تقهقر. إذ أحرزت القوات الحكومية تقدماً في المنطقة الشرقية من ريف حماة وحمص وفكت ما يسمى الحصار الذي دام ثلاث سنوات والذي هو في الواقع في مدينة دير الزور. كما أن الحكومة والحلفاء عبروا نهر الفرات في الآونة الأخيرة. وفي الوقت نفسه، أحرزت قوات سورية الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي مزيداً من التقدم في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، فسيطرت على معظم مدينة الرقة، بينما أحرز المجلس العسكري لدير الزور بقيادة قوات سورية الديمقراطية تقدماً في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية على الضفاف الشرقية لنهر الفرات. وقد ورد أن الحكومة وحلفاءها زادوا من غاراتهم على مواقع قوات سورية الديمقراطية. وتشارك جماعات المعارضة المسلحة أيضاً في المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في درعا. وأود أن أُذكر هنا – وهذا هو المكان الأنسب للتذكير – بنداءات الأمم المتحدة من أجل حماية المدنيين في إدلب ودير الزور والرقة وفي أماكن أخرى، حيث لا يزال القتال دائراً.

وفي خضم هذا العمل العسكري المكثف، على الرغم من أننا جميعاً نعترف بأن قتال تنظيم الدولة الإسلامية أمر هام، علينا أن نتذكر أنه لا يمكن معاقبة المدنيين مرتين: مرةً لأنهم كانوا أصلاً تحت حكم تنظيم الدولة الإسلامية، ومرةً أخرى لأنهم، لسوء حظهم، في المكان الذي يدور فيه القتال. وأود أن أشدد على ضرورة عمل المزيد في ميدان حماية المدنيين: يجب عمل المزيد من أجل حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية من الهجوم العسكري، والعمل على ضمان الوصول الآمن والمستمر ومن دون عوائق إلى جميع المدنيين المحتاجين في سورية، أينما كانوا. وستسمعون المزيد من زميلي مارك لوكوك فيما يخص آخر التطورات الإنسانية.

لكن اسمحوا لي أن أؤكد على وجه التحديد مسألة المحتجزين والمختطفين والمفقودين. فالآلاف منهم حسب رواية أسرهم لا يزالون في عداد المفقودين أو المخطوفين أو المحتجزين. لم نر أي تقدم بشأن هذه المسألة – لا في أستانا، رغم عدة محاولات وآمال؛ ولا في جنيف. فهناك عدد كبير جداً من الأسر السورية التي تعاني من غياب جميع أقاربهم المحتجزين أو المفقودين، وتفتقر في المقام الأول إلى معلومات عن مصيرهم. بل لا تدري هذه الأسر هل هم على قيد الحياة أم لا. ولقد حان الوقت لمعالجة هذه المسألة الآن باعتبارها إحدى الأولويات الرئيسية، لا سيما في هذه الفترة التي نرى فيها حدوث انخفاض في التصعيد.

وآمل أيضاً أن تتحقق نتائج ملموسة في المستقبل القريب بشأن مسألة الأعمال الإنسانية المتعلقة بالألغام – أكره الألغام، لأنني فقدت ثلاثة من زملائي قتلتهم الألغام في أفغانستان وفي العراق. رأيتهم يعملون – وهذا تدبير آخر من تدابير بناء الثقة. وإنني ألاحظ باهتمام الحوار الجاري بين دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام وحكومة سورية في هذا الصدد.

السيد الرئيس،
ثمة توافق واسع على أن ترتيبات خفض التصعيد يجب ألا تؤدي إلى تقسيم مستتر لسورية، يجب ألا تؤدي إلى تقسيم مستتر لسورية، وأن من الواجب الحفاظ على وحدة سورية وسلامتها الإقليمية بشكل تام. لقد لمست العديد من وجهات النظر المشتركة لدى مئات السوريين الذين نقابلهم بانتظام؛ وأعرب السوريون بجميع خلفياتهم عن رفضهم الشديد لأي تقسيم لسورية – إقليماً وشعباً.

ولهذا السبب ينبغي أن يشكل خفض التصعيد عاملاً ممهداً لوقف حقيقي لإطلاق النار على نطاق البلد، والعمل على جبهتي الأعمال الإنسانية وبناء الثقة – وهي المسائل المحددة في الفقرات من 12 إلى 14 من قرار مجلس الأمن 2254. ينبغي النظر إلى الجهد المبذول في أستانا – وكذا المبذول في عمان – على أنه الأساس لعملية جنيف متجددة – جهد ينتقل من المحادثات التحضيرية إلى مفاوضات حقيقية بشأن المستقبل السياسي لسورية على النحو المتوخى في القرار 2254، مع تناول كل السلات الأربع من جدول الأعمال، وعلى النحو الذي رحب به هذا المجلس.

السيد الرئيس،
أشركت كلا الجانبين، وجميع من لهم نفوذ عليهما كذلك، أثناء الجمعية العامة، وهو ما كان مفيداً جداً كالعادة. وحضرت عدداً من الاجتماعات المتعددة الأطراف، منها اجتماع عقده الاتحاد الأوروبي – وأود أن أشكر الاتحاد الأوروبي على تلك المبادرة – مع قطاع عريض من الجهات الفاعلة الدولية. وسنحت لي الفرصة أيضاً لزيارة واشنطن يوم الاثنين، بينما زار نائبي، السفير رمزي، موسكو أمس واليوم. وأعتزم الحفاظ على مستوى عال من التعاون مع جميع البلدان المعنية والأطراف السورية في الأسابيع القادمة.

وسنواصل العمل مع جميع المشاركين في غرفة دعم المجتمع المدني والاستفادة من آراء المجلس الاستشاري للمرأة. وقد أكد لي المشاركون من كلا الجانبين بقوة توقعات قطاع عريض من السوريين من أجل التوصل إلى حل سياسي شامل يجسد مصالح جميع السوريين ويرتكز على حقوق الإنسان، والمساواة، والعدالة. ولا يزالون يسترعون الانتباه إلى الأصوات الغائبة عن العملية السياسية، ومنها أصوات النساء اللواتي يشكلن نصف السكان، إن لم يكن أكثر. ينبغي أن يكون لديهن صوت متساو في القرارات التي تشكل مستقبل بلدهن.

وأود أن أؤكد اليوم اعتزامي الدعوة إلى عقد الجولة الثامنة من محادثات الأطراف السورية في جنيف – ناقشت الأمر مع الأمين العام بالأمس – بعد نحو شهر من الآن، على أن يحدَّد الموعد المضبوط لاحقاً. وينبغي ألا يتأخر الموعد عن نهاية تشرين الأول/أكتوبر أو وقت مبكر جداً من تشرين الثاني/نوفمبر. وأعيد تأكيد هذا الإطار الزمني ليتسنى لجميع المعنيين اغتنام الشهر الحاسم من الآن وحتى ذلك الحين لتهيئة الظروف الملائمة لتكون تلك المحادثات مفيدة على نحو خاص. وإني أدعو الجانبين كليهما – وأكرر الجانبين كليهما – إلى تقييم الحالة بواقعية ومسؤولية تجاه شعب سورية والتحضير بجدية للمشاركة في محادثات جنيف بدون شروط مسبقة، نعم بدون شروط مسبقة. واسمحوا لي أن أشرح بالضبط ما نعنيه من ذلك.

نعتقد أن الحكومة لديها مصلحة، بل وعليها في الواقع واجب، إزاء التفاوض بصورة حقيقية مع المعارضة التي أشار إليها هذا المجلس بالاسم في القرار 2254. وحتى الآن، ربطت الحكومة استعدادها للانتقال من المحادثات إلى مفاوضات حقيقية بمسألة وحدة المعارضة، وبالتزامٍ بمبادئ أساسية معيّنة. أعرف أيضاً مدى الأهمية التي توليها الحكومة لمسألة الإرهاب ومكافحة الإرهاب. لكن الظرف الراهن بالذات، الذي بدأ فيه دَحْر الإرهاب في سورية – ونحن نشهد ذلك بأعيننا – هو الوقت الذي نحتاج فيه إلى الحفاظ على المكاسب المحققة على الأرض وتعزيزها من خلال عملية سياسية حقيقية وشاملة – يُسترشد فيها بالقرار 2254.

لذا ينبغي حثّ الحكومة على أن تبيّن بالكلمة وبالعمل أنها تريد حقاً تفاوضاً بشأن حكم ذي مصداقية وشامل للجميع على الصعيدين المحلي والمركزي؛ وبشأن جدول زمني وعملية للدستور الجديد؛ وانتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة – كل ذلك مقترناً بصون سيادة سورية ووحدتها وسلامة أراضيها – وكل ذلك مقترناً أيضاً بمكافحة الإرهاب وهزمه. ومن الأهمية بمكان أن تعمل الدول الصديقة للحكومة السورية على تشجيعها على إظهار استعدادها للمضي قدماً، بما في ذلك جوهر القرار 2254، وجدول أعمال السّلات، وليس بمجرد عبارات عامة بل بأشياء محددة، تشمل التفاصيل والتسلسل وطرائق التنفيذ. ولن يكون هذا الأمر سهلاً، لكن البدء فيه مطلوب، والأمم المتحدة ستكون في غاية الاستعداد لتكون وسيطاً نزيهاً في التمكين من إجراء مفاوضات حقيقية مع المعارضة.

ونعتقد أيضاً أن المعارضة بدورها لها مصلحة، بل من واجبها، الآن أن تعطي إشارة إلى أنها تريد فعلاً التحدث بصوت واحد وبمنصة مشتركة في مفاوضات حقيقية مع الحكومة بشأن السّلات الأربع وبشأن تنفيذ القرار 2254. ولا أحد يطلب من المعارضة التوقف فجأة عن أن تكون المعارضة – لكننا نحث المعارضة على أن تدرك أنها تجني القدر الأكبر من المصداقية والفعالية حين تقف في صف واحد، وتُظهر الاستعداد للتفاوض، وهو ما يعني أن تأخذ وتعطي.

وقد كان ثمة عمل شاق حقاً اضطلع به مكتبي في هذا الصدد. وهناك الكثير من الأمور التي يمكن البناء عليها. وقد يسّر مكتبي في الفترة من أيار/مايو إلى تموز/يوليه العمل التقني القيّم لمنصات المعارضة الثلاث. وينبغي حثّ المعارضة الآن على أن تغتنم الفرصة التي يتيحها الجهد الذي تبذله المملكة العربية السعودية من أجل عقد مؤتمر أطلق عليه مؤتمر الرياض الثاني الشامل – الذي يحدونا الأمل والثقة في أن يُعقد في تشرين الأول/أكتوبر قبل محادثات جنيف وقبل مؤتمر الأستانة. وينبغي أن يتيح هذا المؤتمر الظرف والمكان لكي تؤكد المعارضة، بتشجيع من الجهات التي لها تأثير عليها – وبعضها موجود في هذه القاعة – أنها تقف في صف واحد، ولتعرض نهجاً استراتيجياً لعملية التفاوض لتحقيق الرؤية التي ظلت دائماً هي الرؤية الواردة في القرار 2254. والأمم المتحدة مستعدة لتقديم المساعدة بأية طريقة ممكنة.

وأود أن أحذر جميع الأطراف من أوهام النصر أو أحلام الطّرق المختصرة. فلا يوجد بديل عن عملية للأمم المتحدة مدعومة دولياً وقائمة في جنيف باعتبارها نهجاً شاملاً وجامعاً من شأنه أن يساعد السوريين أيضاً في إعادة استكشاف حد أدنى من الثقة والتماسك الاجتماعي بعد هذا النزاع المرير.

ونحن بحاجة إلى أن نتذكر مئات الآلاف من الأرواح التي قد أُزهقت وملايين الأشخاص الذين يحملون في أبدانهم ونفوسهم جراح نزاع وحشي. لقد شُرِّد الملايين داخل سورية أو خارجها، مع أن بعضهم يحاول العودة إلى دياره. ويوجد آلاف من الأشخاص قيد الاحتجاز، في حين اختفى آلاف آخرون أيضاً – كثير منهم دون أثر ودون أن يحرز تقدم في الكشف عن مصيرهم. ودُمرت الهياكل الأساسية – لا سيما الهياكل الأساسية المدنية – على نطاق لا يمكن تصوره. علينا أن نتذكر أيضاً وجود الجماعات الإرهابية المحظورة دولياً، التي وإن أخذت في التقهقر اليوم فقد أظهرت قدرة على الارتداد في أماكن أخرى من العالم وعلى البقاء والانتعاش رغم نكسات الميدان، وهو أمر قد تنجح فيه أو يمكن أن تنجح فيه إذا لم يكن هناك اتفاق سياسي جديد يمكّن المجتمع من الانتقال إلى مستقبل متقَاسم وشامل للجميع وديمقراطي. وتتجلى لي الحاجة إلى معالجة المظالم التي لم تُعالج وتظل قائمة في سورية من طائفة الأصوات السورية التي لا تصطف لا مع الحكومة ولا مع المعارضة.

ولهذا السبب، حان الوقت – سيدي الرئيس – للتركيز على العودة إلى جنيف، وعلى محادثات الأطراف السورية تحت رعاية الأمم المتحدة – التي تجسدونها. هذا هو المحفل الوحيد الذي يمكن فيه للعملية السياسية الانتقالية التي توخاها هذا المجلس في القرار 2254 أن تتبلور مع الأطراف السورية نفسها، بالاستناد إلى المشروعية الكاملة التي تقدمها الأمم المتحدة وبدعم من المجتمع الدولي. أمامنا شهر حتى تلك المحادثات – فلنعمل جميعاً خلاله ولنغتنمه فرصة لإعداد جيد لتلك المحادثات.