مستقبل الشرق الأوسط بعد الحرب في سورية

الحرب الإقليمية التي بدأت قبل 17 عاما، تقترب الآن من نهايتها. والشرق الأوسط الموسع، الممتد من أفغانستان إلى ليبيا صار مدمرا. ومع ذلك، لاتزال سورية الدولة الوحيدة، قائمة ومستقلة. وها هي الولايات المتحدة، قائد مشروع الفوضى الإقليمية، تحجم عن دعم الجهاديين، وتعلن على لسان رئيسها عن انسحابها ببطء من سورية. لكن لبريطانيا رأياً آخر. فهي تنوي استغلال فترة ما بعد الحرب، واستنفاد حليفها الأمريكي، لاستعادة ألق إمبراطوريتها السابق، هنا في الشرق الأوسط، كما في باقي أنحاء العالم. وبدعم من 23 دولة، أطلقت بريطانيا عملية دبلوماسية واسعة النطاق ضد روسيا. أما فرنسا، فقد تخيلت من جانبها فرصة إنشاء “كيان إسرائيلي” تابع لها في شمال سورية مع مقاتلي وحدات حماية الشعب. فاستقبل الرئيس ماكرون، الذي كان يختبئ وراء خطاب كان سائدا منذ وقت ليس ببعيد، وفداً من حزب العمال الكردستاني تحت اسم ” قوات سورية الديمقراطية”، وأعلن عن نشر قوات عسكرية جديدة في “روجافا”.

تعتقد تركيا أنها يمكن أن تستخدم رحيل الولايات المتحدة من المنطقة، لتنفذ “القَسَم الوطني” لآخر برلمان عثماني، بضم جزء من العراق، وشمال سورية، وجزيرة قبرص بأكملها، وجزءًا من اليونان. بادئ ذي بدء، حذر الرئيس اردوغان نظيره الفرنسي – والآن خصمه – مذكرا إياه بأن الخلاف الأخير بين تركيا وفرنسا حول الأكراد، أسفر عن هجمات “باتاكلان” في باريس. ولتأجيج الخطر على باريس، نشرت وكالة الأناضول خارطة تتضمن مواقع القواعد العسكرية الفرنسية السرية الخمس في سورية، وكشفت عن نشر أول فوج مظللين من قوات المشاة البحرية التي تدعى “الاستعمارية”. أما المملكة العربية السعودية، فصارت تتمنى النجاة بجلدها من هذا الصراع، والعثور على وسيلة تخرجها مرفوعة الرأس من سورية واليمن، بعد أن شرعت بالتحضير لإنشاء فردوس ضريبي في البحر الأحمر تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. الأمر الذي يحتم على سورية، خلال هذه الفترة، الإسراع في إنهاء الحرب، والتحضير لمستقبلها.

وبينما كانت تأمل سورية المساهمة في بناء طريق الحرير، إلا أن أصدقاءها الصينيون أجروا تعديلات على مسار الطريق، فصارت تمر عبر تركيا وبيلاروسيا. ما من شك في أن تعيين جون بولتون في منصب مستشار الأمن القومي الأمريكي في هذا التوقيت، جاء لتخريب هذا الطريق، عبر خلق صراعات داخلية داخل هذين البلدين.

الرئيس شي، الذي كان يتمنى استعادة حلم الأميرال تشنغ خه، بإعادة بناء الطريق القديم، يمكن أن يواجه نفس خيبة الأمل. في القرن الخامس عشر، أنشأ “الخصي بثلاث جواهر” أسطولًا ضخماً مؤلفا من سبعين سفينة، وثلاثين ألف رجل. أبحر إلى الخليج الفارسي، ومنه إلى أفريقيا والبحر الأحمر. على الرغم من الترحيب الحار الذي حظي به، إلا أن مشروعه باء بالفشل، فقرر الإمبراطور مينغ حينها التخلي عن المشروع، وأمر بحرق قطع الأسطول بأكمله. ثم انغلقت الصين على نفسها على مدى خمسة قرون.

ينبغي على سورية الآن أن تعيد إحياء مشروعها للانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي حول روسيا، الذي كانت قد تقدمت بطلب ترشيحها لنيل عضويته في عام 2015، لكن أرمينيا، التي كانت قلقة بشأن الحرب المستعرة، طلبت التمهل قبل البت بقبول عضوية سورية. صار بإمكان دمشق أن تنضم لهذا الاتحاد بسرعة الآن، وإيجاد السبل التي من شأنها الإسراع بإعادة إعمارها.

بقلم تييري ميسان

المصدر: “الوطن

%d مدونون معجبون بهذه: